الثلاثاء، ديسمبر 07، 2010

ألعاب الكبار

-8-

أضواء مبهرة تلون السماء !!!

وفي أيام الحرب الأولى .. كان عواء صفارات الإنذار .. يسحب معه على النفس مشاعر الكآبة و الرهبة .. ويتراكض الجميع إلى المخابئ ..

يذهب الناس إلى المخبأ مع الذاهبين .. لكن منهم من يظل يحافظ على سمته المميز : الهدوء .. النظام .. الاتزان ..

.. و - كما - يقولون النفس مطيعة للعادة .. فتألف وتتكيف مع ما يطرأ عليها من ظروف .. و لذا .. فبعد أيام قلائل تكيفت أسر كثيرة مع حياة عواء الصافرات .. وظلت تمكث في شققها في الأدوار العليا من المباني ..

يمضي الرجال والنساء إلى المخبأ كل للمهمة الموكولة إليه في تنظيم المخبأ ومراقبة الناس .. وتظل بعض الأمهات مع أطفالهن .. يحتضن .. يطمئن .. يؤكدن للأطفال أنهم لن ينالهم أذى .. فهم في ذمة الله .. !

تقول الأمهات بثقة ... و بلا أدنى تردد ...

بل يقسمن بالله العزيز .. أن لن ينالهم أذى !! ..

تقول الأم موضحة لصغارها : ألم تبيتوا على الدعاء ..!

ألم تقرأوا الفاتحة و المعوذتين و أوائل و أواخر سورة البقرة .. و آية الكرسي ..!

هذه أمنع حصن ...

... ثم تنطلق صفارة أخرى ويبشر المذيعُ المستمعين : أن قد انجلى الخطر ..

.. تخر جباه الصغار سجدا لله .. شكرا ..

ثم تمضي أيام أخر .. ويتعود الصغار هذه الحياة الجديدة .. ويستعذبون ما فيها من مغامرة ... فإذا هم ينظمون لعبا ولهوا مع عوائها .. فما أن تعوي منذرة بقرب وقوع الخطر .. حتى يتسابقوا و يتدافعوا نحو الشرفات ليروا بأم أعينهم مشهدا ( يمتع براءتهم ) على ما فيه من الخطورة ..!!

.. وتدوي الانفجارات .. وتتلون السماء بوميض أحمر .. ويتطاير الشرر الأزرق ..

ويتصايح الصغار كأنهم جمهور المشجعين ( باتريوت أصاب سكود .. ) !!..

يتضاحكون بفرحة .. كأنهم ينظرون إلى مباراة تزينها الألعاب النارية في ليالي العيد ..

فأينما تذهب .. وفي أي الأحوال تتقلب .. فثم براءة الأطفال ..

**** ***** ****

مخاض التحرير

-7-

الحــــــــــــرب

... مضت أيام ثقيلة .. حبالى بالآلام و الأحزان .. وتعاقبت أشهر .. أثقل من السنين .. وذات يوم ومع سويعات السحر .. استيقظ الناس على أنباء قيام الحرب ..

ومع فزعة الاستيقاظ من النوم ..

ومع أجفان متشابكة .. وأحداق لم تستقر ..

ومع وعي يتأرجح بين الحلم والحقيقة ..

انطلقت كلمات تشق الظلام :

( الله ماضٍ بمـــــــــراده .... ) !!

سبحان الله .. !

كأنما شريط مر في الذهن . !

كأنما عجلة الزمان تراجعت إلى الوراء بسرعة .. !!

كأننا في عصور مضت !.. عصور الحروب العالمية البائدة !!

هل حقيقة قامت الحرب ؟!

.. الكويت .. هاتيك البقعة الصغيرة الوديعة من العالم .. أحقيقة أصبحت هي ساحة حرب عالمية .. بكل عتاد الدنيا ؟ !! ..

بكل أسلحة الدمار ؟!..

وكل خرائب الحروب ؟!!..

.. ومع أيام الحرب .. لم ينس أفراد الناس أدوارهم ..

**** ***** ****

بس الوطن ماله مثيل !!!

-6-

تصريف المشاعر ...

مع إشراقة الصباح .. ودع الضيوف مضيفيهم شاكرين لهم كرم ضيافتهم .. وتوجهوا نحو الرياض .. والتي كانت بحق .. روضة من رياض الطمأنينة و الأنس و المواساة .. لكثير من الحيارى في تلك الفترة الغريبة من عمر الزمن ...

انتشر أعضاء الأسرة في المؤسسات كل يبحث عن دور يناسبه .. لأجل نصرة قضيته .. انخرط الكبار ضمن المتطوعين للعمل في السفارة .. وشارك الصغار للتعبير عما يخالج قلوبهم الصغيرة من خواطر .. و أفكار .. وآلام .. وآمال ربما تعجز ألسنتهم عن البوح بها ...

فمن الأطفال من جمع ( أرشيفا ) لكل ما ينشر في الصحف عن بلدهم التي تركوها مضطرين ...

ومنهم من جمع ( أرشيفا ) لكل خبر يحمل في طياته مساندة لبلاده ..

ومنهم من جمع ( أرشيفا ) عسكريا بعدما صيرته الأحداث عليما بالأسلحة : هذه طائرة ( الأواكس ) وهذه ( الشبح ) .. وهذه ( ميسورى ) ...

ومنهم من نشر لوحاته وألوانه .. و أصباغه .. وحاول أن يفرغ ما في نفسه رسومات على الورق .. ومنهم من صاغ أشعارا حول بلده وقضيته .. وهي في الحقيقة تحريفا لأشعار قديمة نظمت لبلاد أخرى ... وقضايا أخرى ... لكن نشرها بكلمات جديدة تناسب حاله ... وألبسها لبوسه .. :

أنا طفلة ..

أنا طفلة ( كويتية ) ..

عاث اللئيم بأرضي ...

جار الظلام ...

وليتني قد كنت يوما فانية ..

أنا طفلة ..

**** ***** ****

هدموا المباني و المساجد و القصور ...

البعث هم أعداؤنا ..

هم كالذئاب الضارية ..

الحقد يملأ قلبهم ..

نشروا الخراب بأرضي ..

أنا طفلة ..

أنا طفلة كويتية ..

**** ***** ****

وطفل يردد :

في جنح الظلام ..

اغتصبت أرض ..

والناس نيـــــــــــام ..

أهكذا العــــــــــرب ..

يا بعث يا جبان ..

**** ***** ****

وطفلة تصدح بصوتها الشجي تشكر مضيفيها ... :

( إ ) بلادكم حلوة ... حلوة ....

بس الوطن ماله مثيل !!!

( إ ) بلادكم حلوة ... حلوة ...

بس الوطن ماله مثيل !!!

**** ***** ****

واحة الجيارى

-5-

واحــــــــــة الحيارى !!

في الخفجي .. تلك القرية الصغيرة .. التي غدت واحة أمن و أمان .. : أغاثت الملهوفين ، واحتضنت المضطربين .. وهدأت روع المرتاعين .. وداوت جراح المكلومين .. واحتضن حضنها الحاني الحيارى و المذهولين ..

.. في هذه القرية الصغيرة - سقاها الله غيثا إذا الغيث همى - توقفت السيارات بعض الوقت ... ونزل الناس لصلاة المغرب و لبعض الضرورات ... فإذا بامرأة لا يعرفونها من أهل تلك القرية ... تشد على معصم النساء الحيارى شدا رقيقا حزما ... وتقسم بأغلظ الأيمان ... وتلح في القسم ... ألا يبتن هن ومن معهن إلا في بيتها ..

حاولت النساء حياء وحرجا – أن يتملصن .... أن يتفككن من دعوتها .. لكنها .. أبدا ما انثنت عن عزمتها .. أقسمت أيمانا مغلظة .. إلا وضعتم رحالكم في بيتنا ..

فمنهن من تمكن من الاعتذار بلطف اعتذارا قبلته .. وشكرن الدعوة ...

ومنهن من استجاب لشدة إلحاحها .. واستجاب لدعوتها : إجابة للدعوة .. واضطرار المضطر .. ( جزاها الله خيرا .. ) .. لا تنفك هذه الكلمة تنطلق من القلوب قبل الشفاه .. كلما مر شريط الأحداث في ذاكرتهن وعائلاتهن !! .. وهل لمثل هذه الأحداث أن تغيب لحظة عن البال !!

جلست – جزاها الله خيرا – مع ضيفاتها : تحادثهن .. تؤانسهن .. تواسيهن .. تبشرهن بخير .. تطمئنهن .. وكذلك فعل زوجها مع الرجال .. في مجلسهم الخاص ...

أخبرتهن : أنها – وإن كانت سعودية موطنا – إلا أنها بنت الكويت نشأة وشبابا .. وأنها قد سكنت الكويت و عاشت فيها .. وهي لا تكاد تمضى أشهر إلا وتزور الكويت .. التي تعدها بلدها بعد بلدها .. !!

وقد تكرر أنموذج هذه المرأة وزوجها كثيرا في تلك الأيام الغريبة !!!

**** ***** ****

الطريق الوعرة

-4-

الطريق الوعرة

... في طريق الهجرة الوعرة ...

.. و فوق الرمضاء الحارة ...

.. وعلى الرمال الهشة الناعمة الملتهبة ..

.. وبين أفواج السيارات المترامية على جانبي الطريق الرملي ما بين معطلة ومنكفئة .. أومغروزة في الرمال .. شقت كثير من العائلات دربها وسط الآلام .. آلام الطريق ومشقته .. وهذه الآلام – على فظاعتها – تهون أمام آلام النفس وجراحتها الغائرة ..

انحدرت الدموع صامتة ...

همست زوجة لتخفف اللوعة عن زوجها : إنها مُرة .. لكنها في سبيل الله .. تحلو وتهون !! و والله .. يعلم الله .. ما خرجنا إلا فرارا بالدين .. أن ينال منه دنس بعثي .. لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة ... أما الموت .. فلن يقدمه بقاء .. ولن يؤخره هروب !!..

والتفت أب إلى أحد صبيانه .. وقد رسم على محياه الحسير ابتسامة لها ألف معنى : صهيب ! قد نالك من سميِّك الصحابي الكريم نصيب من الهجرة .. فعسى أن ينالك نصيب من بشارته .. ( ربح البيع أبا يحيى !! ) ...

.. وعند أول طريق معبدة في أرض المملكة ...

تلقتهم الوجوه السمحة .. والقلوب الطيبة .. و الأخلاق الشهمة ..

تراكض شباب الجزيرة و الخليج بمروءتهم .. ونجدتهم العربية الخالصة .. لإسعاف المصاب ونجدة المرهق .. وإرواء الظمآن .. وإطعام الجائع .. وإغاثة الملهوف .. تحدَّرت على الوجنات دمعات ودمعات .. وغص الحلق بالعبرات .. وتهدجت الكلمات وتداعت المشاهد فتذكروا خلال الدموع :

قبل شهر تماما .. كنا على صعيد عرفة ... نادى مناد في الحملة ... أن يا أهل الخير ... هلموا للخير .. قد عزمنا على جمع التبرعات لسقاية الحجيج ...

وتسابق الجميع في مضمار الخير ذاك .. بل حتى الفراشين وخدم الحملة .. كل أدلى بدلوه في ذلك السبيل .. وجمعنا من الخير قدرا مباركا فكان ( سبيل الماء ) شاحنة كبيرة ملأى بقناني الماء البارد ، وشاحنة أخرى ملأى باللبن البارد و الزبادي .. وزعناها على فقراء الحجيج الذين توافدوا إلى ذاك الصعيد المبارك من كل فج عميق لتطفئ شيئا من ظمأهم في أيام الصيف الحارة ...

.. والحمد لله ... أن كان آخر أعمالنا في دنيا ترفنا : حج وصدقة ..

نسأل الله القبول

**** ***** ****

هل منع التجوال ؟

-3-

هل مـــُـــنِع التجوال ؟

بعد فترة ... عاد الأب ...

تهامس مع زوجته : أن الحال لا يسر .. و أن الأمر أبعد من التصورات .. ودعاها بهدوء وحزم : هيا .. هيا .. اجمعي بعض ما تحتاجين أنت و الأبناء .. لنذهب إلى بيت الوالدين .. فنكون عندهما و في خدمتهما .. إذ لا يليق أن نتركهما في هذه الظروف وحدهما ..

... التفت إليه تسائله بنظراتها !!..

.. انطلقت بهم السيارة في هالة من الذهول ... ومضت تشق طريقها على أرض ضاقت عليهم بما رحبت .. وتنكرت لهم معالمها ...

مضت الأيام .. لكن الأمر لم تتضح معالمه ..

وتحت وطأة الغموض الخانق .. والصمت الدولي الرهيب .. قررت العائلة الخروج من بلدها .. وليس الأمر بدعة ؛ فلئن خرجنا من أرضنا فلقد خرج من هو خير منا ... الأنبياء و الأصحاب ... والصالحون ..

تناقشت العائلة في أمر الخروج ...

.. وقطعا للخلاف بين مؤيد ومعارض .. صلى الجميع صلاة استخارة .. و استقر الرأي أخيرا على المضي فيما عزموا عليه .. بعد التوكل على الله .. واحتساب الهجرة في سبيله ..

**** ***** ****

غدر يسابق بزوغ الفجر

-1-

غــــــــدر ...

يسابق بزوغ الفجر !

صدح المؤذن بصوته الشجي .. استجاب له الناس .. نافضين وساوس الشيطان التي تجتذبهم إلى الفرش... مستعينا عليهم بسكب لذيذ النوم في الأجفان ..

انطلق الرجل إلى مسجد الحي ...

صلت المرأة في بيتها .. وجلست في مصلاها .. تسبح ... وتهلل .. وتكبر ... بطمأنينة الفجر .. لا يخالجها أمر من أمور الدنيا ...

وبين هي في هدأتها ... ما راعها إلا هدير مفاجئ .. مزق سكون الفجر الجميل .. !!

... وقبل أن ينطلق تفكيرها إلى أي شيء .. إذ بصبيانها الصغار .. يتراكضون نحوها .. من غرفتهم القريبة مهرولين يصرخون !!

... فذاك الزئير المرعب ... قد داهم أمنهم بلا مقدمات ولا استئذان !! ...

احتضنت الأم صبيانها بكل الحنان .. وحاولت أن تتصنع الضحك و الابتسام و المرح ... لتخفف من روعهم ... لكن الأمر كان أعظم ...

... هدأتهم .. و أجلستهم إلى قربها وفي أحضانها ... وتناولت المذياع تدير مؤشره ... لعلها تسمع ما يطمئنها !!

.. أو لعل مذيعا يعتذر عن هذه الأصوات .. وأنها مجرد أصوات طائرات بلادها .. قد اخترقت مجال الصوت خطأً .. أثناء تدريباتها المعتادة !! ..

.. هكذا كانت تمنّي نفسها !..

.. لكنها - مع الأسف الشديد – لم تسمع من ذلك شيئا ..

.. بل إن ذلك الاضطراب الذي أصاب الإرسال ... ثم الانقطاع المفاجئ للأخبار ...

وتلك الأنشودة التي انطلقت من الإذاعة ( يا حماة العـــــرين .. لقنوا المعتدين !! ) والتي ليس لها إلا معنى واحدا .. (الحــرب ) .. كل هذه الأمور مرت في لحظات .. فبددت ما كان يداعب تلك المرأة الوحيدة مع صغارها ... من أمل بالاطمئنان ...

سرت في أوصالها رهبة .. ودب في جسدها النحيل اضطراب .. وقلبت النظر في وجوه صغارها الأبرياء .... وانطلقت من شفتيها همسة نحو السماء ... : ( لطفك ... ربي !! ) ...

**** ***** ****