‏إظهار الرسائل ذات التسميات أيام غريبة ج1. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أيام غريبة ج1. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أكتوبر 29، 2010

جرح نازف

-9-

جرح نازف

وفي غمرة الأفراح ....

وفي عرض البسمات ...

يتفتق جرح غائر في أحشاء الفؤاد ...

وينزف ألم وجيـــــع في سويداء القلب ...

... تطل عينا طفلة .. تبحثان وتتساءل بحيرة : عاد الآباء إلى بيوتهم ... فمتى يعود أبي إلى بيتنا ؟؟

وتظل أم ثكلى ترفع كفيها إلى السماء : ربي ... يا رب الكائنات ... قرعيني برؤية ولدي !!

ويتلفت شيخ طاعن وهن : أزوج ابنتي حي فأرتجيه ... أم ميت فأبكيه ؟؟!!

وتظل عروس شابة حيية ترقب الباب كلما حركته نسمة : لعل عائلنا قد عاد ...

.... وتطفح الدمعة الحزينة ... تغلب الوجه الباسم ...

ويبقى الأمل بالله ... أقوى ... وأعظم ...

والرضى بقضائه أشد رسوخـــــا ...

والتسليم لحكمه وحكمته ... هو الدواء وهو العافية والشفاء لما يختلج في الصدور

**** ***** ****

الأربعاء، أكتوبر 13، 2010

الكبش المفدى

-8-

ســـــــفير الحــــرية

نهاية المطاف في هذه المواقف ... كان صبيحة التحرير ...

... ففي الرمق الأخير للاحتلال ... وفي ( حلكة النهار ) - الذي بدا كليل أسود أبى أن ينزع غلالته ... بعدما فجّر الحسد الظالم أحقاده ... وأشعل البعث العابث آبار النفط لهيبا أسودا -

... تحت جنح ذاك الظلام الدامس في ضميره وفيما بثه في الأجواء ... حصد المحتل الشباب حصدا ... رحل بعضهم إلى أقبية البصرة ... والبعض الآخر ينتظر دوره ...

وكان فوج من أفواج المعتقلين ... حشروا وراء قضبان حديدية في أحد المخافر ...

وأُحكم إغلاقه ... ولشدة تزاحمهم فيه كانوا يكادون لا يستطيعون حراكا ... وقد أمروهم بالاستعداد لترحيلهم إلى البصرة أكثر من مرة ...

لكن يتأخر دورهم ... ونتأمل ونستغرب ... أي استعداد يراد منهم ... وكل رأسمال أحدهم ... أثوابه التي يرتديها !!!

زبدة الموضوع ... في ليلة التحريـــر ... انطلقت صيحة في المخفر لم يتبينها المعتقلون : ( انســـــــــــــحاب !!! ) ...

لكنهم سمعوا هرجا ومرجا .... ثم أعقبه هدوء .... ثم سكون ...!!

لا يعرفون كنه تلك الصرخة المدوية ... ولا يعلمون سر ذاك الهرج و المرج !!! ولا يعلمون سبب هذا الصمت الفجائي المطبق !!!

صمت المعتقلون ... سكنوا ... كأنما على رؤوسهم الطير... حاولوا أن يتنصتوا إلى صوت ... لكن لا صوت ... لا حراك .....

صرخ أحد المعتقلين مفتعلا ضجة لعل أحد العسكر يجيب.... لكن لا حياة لمن ينادي ..! نادى ولا من مجيب...!!

حاولوا أن يفكوا أقفال سجنهم أو يكسروه ...... لكن هيهات

هيهات .... فالأمر بعيد عن منالهم .... وبلوغ الثريا أقرب لهم ...!!... والقفل سبيكة صماء .....!!!

ومع مرور الوقت ... سمعوا أصواتا في الخارج ... إنها أصوات يعرفونها ... أصوات أهالي الحي ...

صاح المعتقلون ... نادوا بأعلى أصواتهم ...لا أحد يجيب !!!

أصابهم شيء من الهستيريا ... وهم يصطرخون ... يستغيثون ... ينادون ... !!!

لا شيء يؤنسهم ... !!

ما الخبر ... ؟؟ أأصاب الأهل صمم !! ... ما لهم لا يسمعون ؟!

....

وفجأة ... !

دخل خروف المخفر ... يسير حرا متبخترا بخيلاء ... أمام جموع المعتقلين من ( بني البشر ) ... ! كأنما علم أن سيكون له شأن وأي شأن ... ودور وأي دور ... !!

تواصى المعتقلون بالهدوء ... نادوه ... أغروه بالدنو منهم – وهو الوديع –وبالفعل ... استجاب لهم .. و دنا منهم... وزاد اقترابا يمنّي نفسه بشيء يأكله من أياديهم !!

ولما أن دنا منهم ... أمسكه أحدهم من قرنيه بقوة ... فيما اجتهد الخروف بالمقاومة ... واطلاق الثغاء عاليا ... محاولا الهروب ... ربما خوفا من الذبح !!

... تصايح المعتقلون ببهجة ... : هيا ... هيا ... هذا سفيرنا إلى الحرية ...!

نزع أحدهم قطعة قديمة من الشريط الطبي اللاصق من على جرح في ذراعه ...

تناولها معتقل آخر ... وكتب عليها :

( النجدة ... أغيثونا ... نحن معتقلون في المخفر ... )

اختطفها ثالث ولصقها على أعلى هامة الخروف ...

لم يكتفوا بهذه ( البرقية ) العاجلة ... فلربما لا تكون واضحة ... ووسط صياح : لا تتركه لا تطلقه !!... نزع أحدهم غترته ( كوفيته ) ... وتعاونوا على ربطها حول رقبة الخروف ...

... أخيرا أطلقوا الخروف سفيرا لهم إلى الحرية ... ودعوه مداعبين : ... ( بكوفيتك هذه أصبحت سفيرا فوق العادة مفوضا ... ) ... فأطلق لساقيه العنان ينشد النجاة مما هو فيه ...

وفعلا .. أدى الخروف الوديع مهمته بنجاح تام ... فتسارع الناس لنجدة المعتقلين ...

... وحينها استنشق المعتقلون عبير الحرية ...

تبسم أحد المحرَّرين مداعبا : ... أين كبش الفداء لنقدم له شكرنا عرفانا بجميله ؟

أجابه الثاني محتجا : لا ... لا ... بل هو الكبش المفدى ... لا كبش الفداء !!!

**** ***** ****

الاثنين، أكتوبر 11، 2010

الحلال لايضيع

-7-

العرق الطاهر لا يضيع

( الكسب الحلال )

في نقطة من نقاط السيطرة المغروزة في كبد المدينة المنكوبة بالغدر..أوقف ضابط رجلا وقورا ... نظر في هويته ... تفحص بعينين زائغتين تلك السيارة الفارهة ... سال لها لعابه لؤما وطمعا ... أمره بالنزول منها ( ليفتشها من الداخل ) .. أو بالأحرى ( ليتفحصها ) ...

الجندي المحتل : أعطني مفاتيحها !...

الشيخ الوقور : لماذا .. ؟

الجندي : لماذا !! ... هذه ملك الدولة ..!

الشيخ الوقور: هذه سيارتي ... اشتريتها بحُر مالي ..!

الجندي المحتل : حُر مالك ...؟! وهل لك مال ..؟ إنها أموال الدولة ... وسيارة الدولة ... لا حق لك بها ... ... زجره متعسفا لم يرقب لسنه وقارا - وهو الذي في عمر أبيه - : هيا هات المفاتيح ...!

سلم الرجل المفاتيح مقهورا ... وحوقل واسترجع ... وسار إلى بيته يشكو إلى ذي الانتقام ظلم الظالم ... ولؤم الغادر ... وقد ذاق طعم ما استعاذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ... ومن قهر الرجال ... ) و الأمر في مثل هذه الأحوال لا يحتاج إلى ( شجاعة الصبيان) قدر ما يحتاج إلى حكمة وحزم وموازنة بين أهون الضررين ...

مضت أيام ... وذهب الرجل راجلا لشراء بعض الحاجيات الأساسية من جمعية الحي ...

... كان في الجمعية بعض عسكر البعث يعيثون فسادا... ويتيهون غطرسة ...

لم يأبه بهم .. ولم ينظر في وجوههم القبيحة ...

أخذ حاجاته .. و توجه خارج الجمعية منصرفا إلى بيته ... وفجأة ...!!! وجد نفسه ... ( وجها لوجهه ) مع سيارته ... قد أوقفت عند مدخل الجمعية ...!!!

تأملها ... نظر إليها ... دار حولها ...!

همس يخاطب نفسه : نعــــــــــم !... إنها سيارتي ... هذا الخدش على بابها الأيمن ... وهذه ( نمرتها ) لم تتغير - وإن كانت أوامرهم تقتضي تغيير نمر السيارات واستبدالها ...!

تفحص محفظته ... يبحث .. : نعم ... نعم .... ها هو المفتاح الاحتياطي ... ! تلفت حوله ... لم ير أحدا ... ركب سيارته وانطلق عائدا بها إلى بيته .... أدخلها المرآب ... وراح يتفحصها بدقة ... قبل أن يلفها بغطائها المخصص لها ...

.... ويالهول المفاجأة !!..

وجد بداخلها وعاء مليئا بالمصاغ الذهب ...قد أضافه ذلك الضابط ( المغوار ) إلى قائمة ( مغانمه ) !!!

احتار صاحبنا في هذا الكنز المسروق !! - وهو الذي ما اعتاد أكل حرام .. - ماعساه أن يفعل به !!!

خبأه في أرض حديقة بيته ...على عزم صادق بالبحث في أمره والسؤال عن شأنه بعدما يفرج الله هذه الكربة عن البلد كلها ......

**** ***** ****

الأربعاء، أكتوبر 06، 2010

مغامرة

- 6-

مغامرة يستدعيها حب البقاء ...

منذ الأيام الأولى للغزو ... انقسم الناس ما بين مهاجر ... مرابط ... وهذه سنة الحياة .... منذ بدء الخليقة .. وحتى تقوم الساعة ... ما من مصيبة تصيب أرضا ... إلا ويخرج منها من يخرج ... ويبقى فيها من يبقى ...

... وفي كربتنا ... خرج أناس كثيرون وإن كان خروج الخارجين يشعر الباقين بنوع من الخذلان ...

ولمثل هذه المستجدات... ظهر شباب نذروا أنفسهم لتفريج كرب المكروبين ......ومن مثل هؤلاء الشباب ... كان شاب من دولة الإمارات ...جند نفسه جنديا مجهولا .. يتسلل داخلا إلى أرض المحنة ... ليخرج من يرغب في الخروج ... خدمة مجانية للناس ... وقد مارس هذه العملية تسعة وعشرين مرة .... وكان خاتمتها هي الرحلة التي تحمل الرقم ( 30 ) !!

... وكان لابد من موقف خلال مثل هذه المهمة ... !!

... وكان الموقف الأشد ... في الرحلة الأخيرة ... كأنما كان مسك الختام لمهمته ... كانت هذه الرحلة الأخيرة قبيل الحرب الجوية بأيام ...

تسلل صاحبنا - على عادته في تلك الأيام - داخلا البلاد خلسة ...

وبعدما تواعد مع الراغبين في الخروج ... اختار أن تكون رحلته ليلية ...

انطلق حاملا بسيارته عائلة من تلك العائلات النازحة عن وطنها ... وقرابة الساعة الثانية عشرة من منتصف ليلة من ليالي شهر كانون الأول ( ديسمبر) الباردة ... أوقفتهم نقطة سيطرة قبيل وصولهم المركز السعودي بقليل ...

لم تكن سيارة صاحبنا هي الوحيدة التي أوقفتها نقطة السيطرة ... لكنها كانت أول سيارة أوقفت ... وأوقفت بعدها سيارات كثيرة ...

أمر الرجال جميعا بتسليم مفاتيح سيارتهم ... الكل أعطى مفاتيح سيارته ... إلا صاحبنا ... فقد ترك المفتاح معلقا مكانه من السيارة ...!

هل كان عامدا ...؟!

هل كان ناسيا ...؟!

كيف لم ينتبه جنود السيطرة ..؟!

قدر لا يمكن رده .. ولا تفسيره .. ولا تعليله ..!!

.. أمر الجميع بالنزول ...

النساء والأطفال في جهة ... والرجال في الجهة الثانية ... لكن الفريقين يتراءيان ... أحد الرجال .. - لموقف ما - انفلتت أعصابه من عقالها ... ( فتلاسن ) مع الجنود منفعلا ... وحسم الموقف ببساطة ... بطلقة أردته قتيلا أمام الجميع !!!

... ظن صاحبنا أنهم جميعا ميتون لا محالة ...

تضرع داعيا من لا يخيب راجيه دعاه دعاء خفيا : ( اللهم إني أسألك الثبات وحسن الخاتمة ) ...

استأذن صاحبنا الضابط في صلاة ركعتين خفيفتين .. أذنوا له ... وهم أجهل الناس بما تفعل سهام الدعاء ...

وبينما هو في صلاته .. سمع عجيجا وضجيجا .. وصياحا .. و هياجا .. وتراكضا .. وتدافعا ...

سارع في ختم صلاته .. ليستبين الخبر ..!!!.. فإذا الفرج قد لاح لكنه فقط يطلب حسن التصرف !!!: كان الجنود قد حفروا خندقا لإخفاء الدبابة نهارا ... وفي الليل يتخذونه مبيتا اتقاء البرد القاري القارس ... وهم لا يدرون أنهم إنما حفروا قبرهم بأيديهم

وكان في تلك الساعة بعض جند الظالم نائمين في ذلك الخندق ... وقام أحدهم فقاد الدبابة ليحركها قليلا إلى الأمام ... فإذا بها تتراجع إلى الخلف ... وتترنح على النائمين ...

فتساقطوا مابين قتيل ومصاب إصابات قاتلة .. لذا عم الصياح والهياج ... وتراكض الجميع ... ذاهلين عن هؤلاء ( الموقوفين) ..!!!

تلفت صاحبنا يمنة ويسرة ... وهتف في نفسه هاتف ... : هي فرصة ... والفرص لا تتكرر ...

لوح لجماعته أن : هلموا .. اركبوا السيارة بسرعة ...!!!

... وبخفة قاد السيارة سيرا سريعا ... وقد أطفأ جميع أنوارها ... وفي مغامرة تقتضيها فطرة الحي في مقاومة أسباب الفناء ...

وكان قدر الله سابقا لهم بالسلامة ....

**** ***** ****

الثلاثاء، أكتوبر 05، 2010

فداءلأهلي

-5-

خـــــيركم لأهله

في أحد طرقات المدينة ( المنكوبة ) ... توجه شاب قـــــد انتظم في سلك المقاومة المسلحة ... تمتلئ سيارته أسلحة ... توجه حيث كان مقررا له .. وقــــد سلك هذا الطريق تبعا لأمر قــد تلقاه من قيادته ... و فجأة ... وقع ما لم يكن بالحسبان .. فهذا الطريق - حسب مراقبة المقاومة وتخطيطها - كان خاليا من نقاط التفتيش والسيطرات ... فكيف ومتى زرعت هذه النقطة ...!!

أوقفه ضابط السيطرة ...!

حوقل ... واسترجع ... وأسلم أمره إلى الله ... ظن أنه في أهون الأحوال مقتول لا محالة ...! إن لم يسبق القتل تعذيب وتنكيل و تقطيع ..

.. نظر الضابط في هويته ( المزورة ) ...

أمره أن يفتح الصندوق الخلفي للسيارة ...!!...

... وفي لحظات أسرع من لمح البصر ... تصارعت في نفس الشاب رغبات ... أيفتح الصندوق ..!.. أيهرب ..!.. أيرجع بسيارته للخلف فيقتل العسكري دهسا .. ؟!..

وانتبه من تصارع رغباته على صوت الضابط يناديه صارخا من خلفه :.. افتح ..!!

سلم أمره إلى الله صادقا .. وفتح الصندوق الخلفي .. للحظات كأنما الدهر توقف عندها .. ثم بحركة غريبة مرت كطيف خيال .. أغلق الضابط السيارة بعصبية ظاهرة ... وصاح في وجه الشاب : ... انطلق ...!!

تساءل الشاب باستغراب : إلى أين ..؟..

الضابط عازما : إلى حيث شئت !

الشاب مبهورا : إلى حيث شئت ؟!..

الضابط - مصرا - : نعم ...! هيا بسرعة !

أدار الفتى مفاتيح سيارته .. وانطلق ... وسط دوامة من الذهول و التساؤل ...وكان بين الفينة والأخرى بحركة لا إرادية لا شعورية ... يغمض عينيه لحظة ... ويخفض رأسه ... ويرفع كتفيه كأنما يتوقع رصاصة في مؤخرة رأسه ... وبين أذنيه ... وكان بين الفينة والأخرى ... ينظر وراءه عبر المرآة الأمامية للسيارة ... يرقب الضابط الذي كانت صورته تتلاشى عن ناظريه كلما مضت السيارة في سيرها ....

بلغ الشاب مراده ... ووصل حيث أراد .. وقدرت له السلامة ... وأفرغ حمولته من الأسلحة ...

و لفرط استغراقه في الاستغراب وذهوله مما جرى له و مما حدث معه ، ولإلحاح حب الإطلاع في جنبات نفسه ... عزم على العودة على نفس الطريق .. لعله يجد ذلك الضابط ..

و بالفعل .. وجد ذلك الضابط واقفا مكانه .. - وبإصرار عنيد .. قد يودي أحيانا بصاحبه إلى التهلكة - ... ترجل الشاب من سيارته ... واقترب من الضابط

وقال له : عفوا ... هل تعرفني ...؟

نظر إليه الضابط :.. شاهدتك قبل ساعة .. ماذا تريد ؟...

الشاب : كانت سيارتي فيها ما فيها .. وأنت من أنت .. فلم تركتني ...؟!!

الضابط : عجيب !... وما شأنك ؟!!..

الشاب : ناشدتك الله ... إلا أخبرتني !

الضابط _ بلهجة حكيمة _ : ( يا بني ... اللي ما فيه خير لأهله وبلده ... ما فيه خير للناس ) ... !!

الشاب : !!!

الضابط : من يلومك أن غامرت بحياتك لتدافع من حقك ؟!..

أما أنا فمجرد أسير بلا قيود ... أو بقيود لا تراها !!!

أسير قمع وإرهاب ... مسلوب الإرادة .... وليس لي الخيار في الرفض أو الاعتراض ...

انطلق راشدا ... ولا تسبب لي المتاعب ...

!!!!

... انطلق الشاب مستغربا ومطمئنا في آن واحد .... فجيش هذي قناعات جنده ... لن تطول إقامته بيننا !!!

**** ***** ****

الأربعاء، سبتمبر 29، 2010

الحق أقوى من البنادق

- 4 -

الغـــــلام واللصوص

صبي لم يتجاوز ... الرابعة من عمره ... أخذه أبوه إلى الجمعية لشراء الحاجيات ... - إن توفرت -

قلب الصغير ناظريه حسيرين في أرفف الجمعية ... عهده بجمعيته زاخرة بكل ما لذ وطاب وكل ما يحب ويشتهي لكنها اليوم شبه خالية ... راح ينظر هنا وهنا ... يبحث عن الحلوى والبسكويت والكاكاو واللعب وغيرها مما أقفرت منه الأرفف ... وقد كانت تعج به سابقا قبل حلول الغزو... !!!

يتذكر بحرقة أنه كان يراها وهي بعينيه أجمل ما كان يملأ الأرفف ... !!!

أخذ الأب ما وجد من حاجاته ... وهم بالخروج مصطحبا الصبي الحزين ... وفي مدخل الجمعية قد تجمعت عصابة من جنود البعث المحتل ...

تفرس الصغير في وجوههم البغيضة ... وصرخ بحرقة الأطفال وجرأتهم العفوية الصادقة البريئة :

أنا لا أحبكم ... !!!

أنتم لصوص ... !!

زمجر البعثي مستغربا الصدق والجرأة :

نحن لصوص !! لم تقول هذا الكلام يا ولد ؟؟

زاد حنق الصغير .. فصرخ :

نعم ...! كل واحد فيكم حرامي !!!..

رد العسكري :

حرامي !!!!

الصغير بإصرار :

نعم ... أخذتم كل الحلوى والكاكاو من جمعيتنا ... !!

رد الجندي المحتل :

نحن أخذنا ؟؟ نحن هنا نحرس لا نـأخذ !!

احتد أحدهم صارخا ليرهب الصغير :

أين أبوك ؟؟ أرني أباك الذي لم يقطع لسانك !!!

... لكن يبدو أن أمر القبض على الناس كان مسألة مزاجية لا تنضبط بضوابط ... ومن حسن حظ ذاك الأب أن لم يكن العسكر جادين في معرفته أو القبض عليه ... أو لعل جرأة الصبي أدهشتهم ...

زبدة القول أن الله سلم ... وعاد الوالد بولده إلى البيت ... وحرم أن يخرج بهذا الصبي ( طويل اللسان ) مرة ثانية ... فالخروج به مغامرة قد لا تحمد عقباها ... ( وما كــــل مرة تسلم الجرة ... !!! ) رفع الأب سبابته في وجه الصغير وهزها : ( مكانك داخل أسوار البيت ... لن تخرج معي أبدا ... !!! حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء ... )

**** ***** ****

الاثنين، سبتمبر 27، 2010

مبيت في حضن الغدر

-3-

فثبت الأقدام إن لاقيـــنا

وتمضي الليلة الأولى ثقيلة ... لم يغمض فيها جفن ... ويصبح الصباح ... وقد طوي الناس بطونهم خاوية ... لا لقلة الطعام ... فالخير وفير – والحمد لله - لكن لعزوف النفس عن المطعم والمشرب ...

ويحين موعد صلاة الجمعة ... وهي الجمعة الأولى التي تظلل الناس في رمضاء المحنة ... وخلالها – خلال صلاة الجمعة – انتظمت الصفوف وبدأ العمل ينتظم لتسير سفينة الحياة في خضم هذا الإعصار سيرا شبه طبيعي إلى أجل لا يعلم مداه إلا علام الغيوب ... !!!

وهكذا بدأت مرافق الحياة تتحرك عبر تنظيم المخابز والمطافئ والمرور والجمعيات ... وهذه أخبارها أشهر من أن تذاع ...

وفي مثل هذا الجو الملبد بروائح الغدر... لا غرابة أن تكثر الأحاديث عن القتل و التنكيل ... وتمور الإشاعات مورا وتنشط وكالة بل وكالات ( يقولون ) ... وتمضي الأيام محيرة وتتباين مواقف الدول ... ثم تترادف الأحاديث عن الحرب ... ويتبارى الناس في القيل والقال عن تفاصيل الحرب بجوها وبرها وبحرها ...

**** ***** ****

وفي قصتي هذه ... لن أتناول من ذلك شيئا ... ولن أتحدث عن الآبـــار التي أحرقت ... ولا الممتلكات يوم نهبت ... ولا عن أشباه ذلك مما يتحدث عنه الناس أول ما يتحدثون حين يثار موضوع الغزو ...

ورغم هذا الخضم المتلاطم من الجراحات النازفة والمشاعر المتباينة ... تظل المظاهـــر الاجتماعية الإيجابية براقة لا يشوبها كدر ... اقتطف منها شواهد على تلك الحقبة الغريبة ... شواهد تجسدت في مواقف أخشى أن تطمرها أغبرة النسيان ...

مواقف ... تجسد قيما ومعانيَ أبلغ من الكلمات ...

مواقف ... لها في النفس أصداء حين تتأملها ...

**** ***** ****

الجمعة، سبتمبر 24، 2010

حضن الأنس والأمان

-2-

البيت الكبـــــــير

مع مرور ساعات ذاك النهار الغريب تقاطر الأبناء والبنات على بيت الوالد ... وهكذا ... غدا البيت نموذجا للبيت القديم ... بيت العائلة الكبيرة الممتدة ... أو كما كانوا يطلقون عليه ( بيت الحمولة ) ...

... الكل يتساءل بحيرة : ماذا يجري ؟؟... ما الخبر !!!

الصورة مهتزة ... لم تتضح بعد ... لكن الرجال كلما ذهبوا إلى مسجد الحي ... عادوا ببعض الأخبار ... أو ببعض قصاصات الورق توزعها جهة لم يتبينوها بعد ... إنما هي وريقات تحمل في طياتها التواصي والطمأنة ...

حان وقت المغرب ... يجرجر معه ظلمة الليل ... والنفس عادة ينسحب عليها مع قدوم الليل وحشة ... من ستره الداكن ....

... لكن - أيضا - ... مع حلول الليل بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا ... إذ صار بالإمكان التقاط الأخبار بما فيها من ( مانشيتات ) مثيرة ... وإن نسيت فلن أنسى صوت مذيع ( البي بي سي ) هادرا يرن صداه في أذني :

( دولة تتســــــــع ... ودولة تختـــــــــفي ...! )

لخصت الوضع كله ...

....

ومع ما يكتف الموقف من قلق ... وما يزلزل النفس من توتر ... فقد كان في الصورة لقطات مرحة ترسم لمحات التبسم في الوجوه ... وتنشر عبير البِشر في النفوس .. وتزرع الأمل ... وتنزع الكآبة ... فالحمد لله الذي أضحك و أبكى ... : فهذا قد افترش أرض فناء المنزل ...

وذاك توجه بمذياعه نحو الشرفة ..

وثالث جلس بين ثلاثة أجهزة ... كل منها قد ثبت مؤشره على محطة ... وسبابته على شفتيه ملازما كلمة الزجر : ( صــــه ... صــــه ...!! )

ومن يلوم القوم ... !!! وهم يعانون مرارة الأمرين ... :

مرارة ما دهمهم في عقر دارهم مما لم يخطر لهم على بال ... ومرارة القلق الذي بدأ دبيبه في صدورهم على أهليهم المسافرين ... ما حالهم الآن ؟؟

**** ***** ****

الأربعاء، سبتمبر 22، 2010

2/8/1990

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ... والصلاة والسلام على رسول الله ...

أما بعد ..

مقدمـــــــة :

مرت علينا حقبة زمنية .. هي في عمر الزمان لم تكتمل دورة واحـــــدة .. لكنها حين مرت ... كانت لحظاتـــــها الدهر إذا توقف ...

مرت ساعاتها ثقيلة ... أيامها طويلة ... لياليها حالكة ...

...

وسبحان الله ... ! انقضت فجأة ... كأنــــما أفقنا من كابوس مفزع ...

كان انقضاؤها أية ... من الآيات عجيبة ... !! ...

كان انجلاؤها ... رحمة من الرحمات تنـــزلت ...!

... كان انكشافها لطفا من المولى – سبحانه - ... !

فالحمد لله ...

ثم الحمد لله ... ! ...

ذهب البلاء ...

واطمأنت الأرواح ...

وثبت الأجر – إن شاء الله - ...

وفي خلال الوريقات القادمة ... أكتب حكاية ...

حكاية قصيرة ...

حكاية تروي أحداثا واقعية ... تبدو في بعض جوانبها أقرب إلى الخيال ...

حكاية ...

يتـــــرنح فيها الألم ...

يتمايــس فيها الأمل ...

ينتحب الحزن ...

ويتراقص في خاتمتها الفـــــــرح ...

حكاية أيام ... ذقنا خلالها طعوما لم نكن نعرف مذاقها من قبل ...

ذقنا معنى دعوة المضطر ...

ذقنا لذة سجدة الشكر الصادق ...

حكايتي على قصرها ... نظمتها كحبات لؤلؤ ... في عقد منضود ...

وهي بدورها ترتبط بعقدة واحدة ... وتنتهي بهم واحد ... هو الهم المشترك لأهل البلد اليوم جميعا ... فاللهم أتمم نعماءك ... وأقر الأعين بعودة من بقي من الأسرى والمفقودين ...

اللهم آمين ... آمين ...

**** ***** ****

ماظنك بالله !!

-1-

يظل الأمل بالله ... مبتسما ...

رن جرس الهاتف ... ليقطع الوجوم ...

امتدت يد مثقل بالأعوام الثمانين ... لترفع سماعة الهاتف ...

تساءل الأب الكهل الكفيف ... بصوت يلفه الأسى ... : نعم ... ؟!

انطلق صوت ابنته عبر أسلاك الهاتف مواسية مترفقة بالأب الذي أنهكه هول الحدث

السلام عليكم ... أبتي .. !

أجاب بصوته الوقور الحاني ... جاهدا في مواراة نبرة الحزن :

وعليكم السلام ورحمة الله ... ها كيف حالكم ...؟

ابنته : الحمد لله ... لا بأس عليكم أبتي ... طهور - إن شاء الله -

الشيخ : بارك الله فيك يا ابنتي ...

متى علمتم بالخبر .. ؟ ..

البنت : في الحقيقة ... لقد أزعجني صوت الطائرات في الخامسة والنصف صباحا ...

الشيخ : أنا والله ... منذ حوالي الثانية والنصف قبيل الفجر قد أقلقني دبيب الدبابات ... !!!

البنت : شدة وتزول ... - إن شاء الله -

الشيخ : أرجو ذلك ... ! والأمل بالله عظيم ...

البنت : الحمد لله على كل حال ...

الشيخ : إي والله ... الحمد لله على كل حال ... ونعوذ بالله من حال أهل النار ...

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ...

البنت : خيرا أبتي ... أستودعك الله ...

الشيخ : في أمان الله يا ابنتي ...

.... وضعت سماعة الهاتف من يدها متثاقلة ... يعتصر قلبها الألم على ذاك الشيخ الوقور الحــــازم ... الذي أوهن الذهول صوته ... وأوجعه فداحة المصاب ...

بل شعرت في لحظة من اللحظات ... أنها لا تحمل هما من هموم الدنيا إلا هم وقع المصيبة على أبيها لفرط حبها له ... وإشفاقها عليه ...

**** ***** ****